كتب الباحث في شؤون القرن الإفريقي داجيم يوهانس، في تحليل نشره موقع هورن ريفيو، أن نفي مصر التدخل في إثيوبيا لا يصمد أمام التدقيق في ضوء سجل التحركات المصرية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر منذ عام 2024. وردت وزارة الخارجية المصرية على الاتهامات الإثيوبية بالتدخل الخارجي بتأكيد صيغ بعناية على المبادئ، إذ قال المتحدث باسم الوزارة إن السياسة الخارجية المصرية تقوم على الاحترام الراسخ لسيادة الدول ووحدة الأمم وسلامة أراضيها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، مضيفًا أن أي مزاعم تشكك في هذا الالتزام لا أساس لها.

 

وتبدو الصياغة أنيقة وحاسمة، لكنها تتعارض مع سجل متراكم لتحركات القاهرة في القرن الإفريقي والبحر الأحمر منذ عام 2024. ويكشف هذا السجل عن حملة استراتيجية متعددة المستويات ومتعمدة لاحتواء إثيوبيا، وليس عن سلسلة من المبادرات الثنائية المنفصلة. ويمكن فهم هذه الحملة على نحو أفضل باعتبارها شكلاً من أشكال التدخل غير المباشر، عبر بناء شبكة من العلاقات بين راعٍ ووكلاء تتيح دعم التحديات الداخلية لحكومة منافسة واستدامتها، مع الحفاظ على إمكانية الإنكار. وتقف إثيوبيا في الطرف المتلقي لهذا الضغط، بينما جاء ردها في صورة ضبط استراتيجي للنفس وممارسة منضبطة لحقها الأصيل في الدفاع عن نفسها.

 


مياه النيل في قلب الاستراتيجية المصرية


يظل نهر النيل المحرك الأساسي للسياسة المصرية. وبعدما عجزت القاهرة عن وقف المشروعات الإثيوبية عبر التفاوض أو الضغوط الدولية، انتقلت إلى استراتيجية أوسع تقوم على العزلة الإقليمية وزعزعة الاستقرار الداخلي. وشكّلت القمة الثلاثية التي جمعت مصر وإريتريا والصومال في أسمرة في أكتوبر 2024 محطة رسمية لترسيخ هذا النهج. وأكد البيان المشترك التعاون الأمني ودعم مؤسسات الدولة الصومالية ومبدأ عدم التدخل، وهي لغة أدت، في سياقها، وظيفة الرفض الجماعي للنفوذ الإثيوبي. ويمكن وصف هذا الاجتماع بوضوح بأنه تأسيس لتحالف مضاد لأديس أبابا.


ولم تكتفِ مصر بإبقاء هذا الترتيب على الورق، بل سارعت إلى تفعيله عبر بروتوكول للتعاون الدفاعي والعسكري مع الصومال، إلى جانب شحنات متتالية من المعدات العسكرية، شملت المدفعية وأنظمة مضادة للطائرات وقدرات أخرى تهدف إلى تعزيز موقف مقديشو في نزاعها مع إثيوبيا بشأن اتفاق الميناء في أرض الصومال. ومن خلال تسليح دولة تخوض نزاعًا إقليميًا مع إثيوبيا ورفع مستوى قدراتها، زادت القاهرة الضغط على أديس أبابا من جبهتيها الجنوبية والشرقية، في الوقت الذي كانت فيه جبهات الشمال تستعد لمزيد من التصعيد.


واستمر هذا الهيكل الدبلوماسي والمادي عبر تنسيق متواصل على أعلى المستويات. ففي أواخر سبتمبر 2026، التقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي نظيره الإريتري عثمان صالح على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وتركزت مباحثاتهما على أمن البحر الأحمر وتطورات القرن الإفريقي وتعزيز العلاقات الثنائية. وبالتوازي، حافظ التواصل العسكري والدفاعي المصري مع المسؤولين الصوماليين على استمرار التعاون في مجالي التسليح والتدريب.


ولا تبدو هذه اللقاءات بروتوكولية، بل تحافظ على توافق عملي يتمثل أبرز مصالحه الاستراتيجية المشتركة في الحد من قدرة إثيوبيا على إسقاط نفوذها إقليميًا وتقييد خياراتها السيادية، ولا سيما فيما يتعلق بالوصول إلى البحر والنفوذ الإقليمي. وأسفر ذلك عن تشكيل حلقة من الشراكات المعادية التي تقلص العمق الاستراتيجي لإثيوبيا وترفع أهمية تماسكها الداخلي.


وتتجلى المفارقة بوضوح. فوزارة الخارجية المصرية تؤكد أن السياسة الخارجية للبلاد تقوم على الاحترام الراسخ لسيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، بينما يظهر استعداد مصر للانخراط في تدخلات عابرة للحدود بصورة أوضح في السودان.


وخلصت تحقيقات مستقلة أجرتها صحيفة نيويورك تايمز، بالاستناد إلى صور الأقمار الصناعية وبيانات الرحلات الجوية ومصادر رسمية، إلى أن مصر شغّلت طائرات قتالية متقدمة من طراز «بيرقدار أكينجي» التركية من قاعدة شرق العوينات بالقرب من الحدود السودانية. ونفذت هذه الطائرات غارات متواصلة على مواقع قوات الدعم السريع وقوافل إمدادها في عمق الأراضي السودانية على مدى أشهر.


ولا يمثل ذلك دعمًا غامضًا، بل تدخلًا عسكريًا مباشرًا عبر الحدود الدولية. وتعمل القوات المسلحة السودانية، المستفيد الرئيسي من هذا الدعم، باعتبارها أحد عناصر شبكة أوسع من العلاقات بين الراعي والوكلاء التي أنشأتها القاهرة لإدارة بيئتها الإقليمية والحد من النفوذ الإثيوبي.


وكما استثمرت مصر في القوات المسلحة السودانية للتأثير في مسار الأحداث داخل السودان، استثمرت كذلك في إريتريا باعتبارها الوكيل الرئيسي المكلف بحماية المصالح المصرية فيما يتعلق بإثيوبيا. وتوفر إريتريا القرب الجغرافي والعداء التاريخي والقدرة العملياتية اللازمة لمواصلة الضغط على الجبهة الشمالية لإثيوبيا، بينما توفر مصر الغطاء الدبلوماسي والعمق الاستراتيجي والبنية الإقليمية التي تجعل استمرار هذا الضغط ممكنًا.

 


إريتريا والتحالف المناهض لإثيوبيا


خلال حرب تيجراي بين عامي 2020 و2022، أشارت تقارير وتصريحات لمسؤولين إثيوبيين إلى وجود مقاتلين أجانب على بعض الجبهات، مع ورود تكهنات متفرقة بشأن أفراد ذوي ملامح شمال إفريقية أو عربية. ونفت مصر باستمرار أي مشاركة عسكرية لها، كما لم يظهر في السجل العلني أي تحقق مستقل من مشاركة وحدات قتالية مصرية.


ومع ذلك، تكشف تلك الواقعة عن نمط أوسع من الاهتمام الاستراتيجي، إذ نظرت القاهرة تاريخيًا إلى التفكك الداخلي الإثيوبي باعتباره ورقة محتملة في صراعها الأوسع بشأن مياه النيل وترتيب القوى في المنطقة. ولا يلغي غياب مشاركة مصرية مؤكدة في المعارك خلال الحرب السابقة استمرارية هذا الهدف، بل يعزز فكرة تفضيل أساليب غير مباشرة، وهي الأساليب التي تطورت لاحقًا إلى بنية أكثر تنظيمًا للعلاقات بين الراعي والوكلاء.


وتعمل إريتريا حاليًا بوصفها الوكيل الرئيسي المكلف بمواصلة الضغط على الجبهة الشمالية لإثيوبيا، بينما توفر مصر الغطاء الدبلوماسي والتنسيق الإقليمي والعمق الاستراتيجي. وتندرج التقارير السابقة، على محدوديتها، ضمن هذا المسار الأطول من التنافس بين الدول، وليس باعتبارها وقائع شاذة ومنفصلة.


وفي هذا السياق، ينبغي تقييم تشكيل «ائتلاف القوات الإثيوبية من أجل البقاء». وأعلن الائتلاف رسميًا في 20 سبتمبر 2026، وهو الكيان نفسه الذي يُشار إليه كثيرًا باسم «تحالف المجموعات السبع». ويضم جبهة تحرير شعب تيجراي، والحركة الوطنية لفانو أمهرة، وجيش تحرير أورومو، وجبهة تحرير شعب أوغادين، وتشكيلًا من عفر، وحركة تحرير شعوب بني شنقول، وحركة شعوب جوموز الديمقراطية.


وكانت عدة من هذه التنظيمات حتى وقت قريب أطرافًا متنافسة أو قوى محصورة في نطاقات إقليمية محددة. ولا يبدو توحدها ضمن إطار سياسي عسكري واحد يهدف إلى إسقاط الحكومة الفيدرالية وتشكيل إدارة انتقالية ظاهرة داخلية عفوية. بل جاء نتيجة بيئة خارجية أتاحت تنسيقًا متعدد الجبهات على نحو مستدام.


وأفادت تقارير بعقد اجتماعات تنسيقية بين هذه الجماعات خلال الأشهر السابقة، بينها اجتماعات جرت بحضور ممثلين عن أجهزة أمنية إريترية وسودانية. وتوفر إريتريا، باعتبارها الوكيل الرئيسي للقاهرة في الملف الإثيوبي، الحلقة الجغرافية التي تربط هذه التحركات، فضلًا عن إمكانية الوصول اللوجستي المباشر إلى الحدود الشمالية لإثيوبيا.


أما مساهمة مصر، فتظل في المستوى الأعلى والأكثر بنيوية، عبر الغطاء الدبلوماسي الذي يوفره التحالف الثلاثي، وتعزيز قدرات خصوم آخرين، والتنسيق المستمر رفيع المستوى مع أسمرة، وإرسال إشارات استراتيجية متواصلة مفادها أن إثيوبيا المنشغلة بأزماتها الداخلية أفضل من إثيوبيا الموحدة والمستقرة.


وتبلور تصريحات حديثة أدلى بها حبيب محمد عثمان، المستشار الإعلامي للسفارة الإريترية في القاهرة، خلال ظهوره على قناة «القاهرة الإخبارية» المصرية، هذه الرؤية الاستراتيجية المشتركة. ففي ظهور مسجل، قدم عثمان قراءة استراتيجية متعمدة للوضع الراهن في إثيوبيا، وقال إن خطر الانهيار الاستراتيجي لإثيوبيا سيكون مكلفًا للغاية، لكن بقاء النظام الحالي سيشعل حربًا في القرن الإفريقي، في معادلة صعبة لن تقف فيها إريتريا بأي حال من الأحوال بمفردها.


ولا يمثل هذا التحليل موقفًا محايدًا، بل يشكل إشارة دبلوماسية صدرت من الأراضي المصرية عن ممثل رسمي لإريتريا. فهو يتعامل مع استمرار الوضع السياسي الداخلي في إثيوبيا باعتباره مشكلة إقليمية تتطلب إدارة خارجية، كما يطرح بصورة صريحة احتمال أن يؤدي بقاء الحكومة الإثيوبية إلى اندلاع صراع أوسع، ويؤكد أن إريتريا لا تتوقع مواجهة تبعات ذلك الصراع بمفردها.


ويكشف هذا التصريح، الصادر عن الوكيل الرئيسي للقاهرة في الملف الإثيوبي، المنطق الكامن وراء هذا التوافق: استقرار إثيوبيا يمثل العقبة، بينما يشكل التفكك الداخلي أو تغيير النظام النتيجة المفضلة.

 


التدخل غير المباشر وحرب المعلومات


وبلغة تحليل الصراعات، يشكل ذلك نموذجًا كلاسيكيًا للتدخل غير المباشر عبر هيكل يقوم على علاقة بين راعٍ ووكلاء. ولا تحتاج مصر إلى ممارسة قيادة عملياتية يومية على تحركات «تسيمدو» كي تتحمل مسؤولية الظروف المواتية التي أتاحتها. ويعمل التدخل غير المباشر على رفع تكلفة الحكم بالنسبة إلى الدولة المستهدفة، وتفكيك قدرتها على فرض السيطرة، وإجبارها على تحويل مواردها إلى الداخل، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بإمكانية الإنكار.


وقد استثمرت القاهرة في هذه البنية تحديدًا. فهي سلحت الصومال، ودعمت القوات المسلحة السودانية عبر غارات بطائرات مسيرة عبر الحدود، ورفعت مكانة إريتريا باعتبارها الوكيل الرئيسي المسؤول عن مواصلة الضغط على إثيوبيا. وتشير خطوط الإمداد التي جرى توثيقها بصورة أقوى في القتال الحالي شمالًا إلى اتجاهها نحو إريتريا، بينما تظل الادعاءات المحددة بشأن وجود عسكريين مصريين إلى جانب جبهة تحرير شعب تيجراي غير مؤكدة في المصادر المفتوحة، وينبغي التعامل معها بحذر.


لكن غياب دليل علني على وجود قوات مصرية مباشرة لا ينفي المنطق الاستراتيجي الأوسع. فالاتهام بتمكين أطراف خارجية يتوافق مع النمط المعروف للدبلوماسية التنافسية المصرية، وقد تعزز هذا النمط بالإطار الاستراتيجي الصريح الذي قدمه ممثل إريتريا الدبلوماسي في القاهرة.


وبالتوازي مع هذه الجهود المادية والدبلوماسية، تجري حملة معلوماتية متواصلة. وخلال الأسابيع الأخيرة، انتشرت ادعاءات مفبركة ومبالغ فيها بكثافة ملحوظة، بينها مزاعم عن اختراق سلاح الجو الإثيوبي، وتحذيرات من استعداد أسمرة والقاهرة لسحق البلاد ما لم تتخلَّ عن أجندتها السيادية الرامية إلى تأمين الوصول إلى البحر.


وتعمل هذه السرديات بوصفها مضاعفات للقوة، إذ تستهدف تقويض الثقة، وزيادة القلق الداخلي، وتضييق المجال أمام الحسابات الاستراتيجية الهادئة في أديس أبابا. وتتسق عمليات المعلومات من هذا النوع مع استراتيجية أوسع للضغط في المنطقة الرمادية، تسعى إلى تحقيق أهداف بالوسائل النفسية والسياسية يصعب تحقيقها في الوقت الراهن عبر مواجهة عسكرية مفتوحة.


وظلت إثيوبيا، طوال هذه الحملة متعددة المسارات، الطرف المتلقي للضغط. ولم تسعَ إلى تصدير الصراع أو مجاراة التدخل الخارجي بمغامرات مماثلة خارج حدودها. بل اتبعت سياسة تقوم على ضبط النفس استراتيجيًا إلى جانب ممارسة حقها الثابت في الدفاع عن نفسها.


ويشمل هذا الدفاع حماية سلامة أراضيها، وتأمين ممر التجارة مع جيبوتي الذي ينقل أكثر من 90% من تجارتها الدولية، ورفض المحاولات الخارجية لإعادة صياغة موازين القوى داخل إثيوبيا. ولا يعني ضبط النفس في مواجهة الضغط المتواصل السلبية، بل يعكس خيارًا منضبطًا لدولة تدرك تكاليف التصعيد غير المنضبط، وترفض في الوقت نفسه قبول تقويض سيادتها.


ولذلك، لا يبدو إعلان وزارة الخارجية المصرية عدم التدخل وصفًا لسياسة بقدر ما يعمل بوصفه درعًا دبلوماسيًا. فالبنية الثلاثية التي تشكلت في 2024، والتنسيق المستمر رفيع المستوى مع إريتريا والصومال، وتعزيز قدرات مقديشو ماديًا، وحملة الطائرات المسيرة الموثقة عبر الحدود دعمًا للقوات المسلحة السودانية، ورفع مكانة إريتريا باعتبارها الوكيل الرئيسي للقاهرة في الملف الإثيوبي، وتهيئة الظروف الإقليمية التي جعلت التحالف المناهض للحكومة الإثيوبية ممكنًا وذا قيمة استراتيجية، إلى جانب الإطار الاستراتيجي الصريح الذي قدمه ممثل إريتريا الدبلوماسي على التلفزيون المصري، تشكل مجتمعة استراتيجية متماسكة لاحتواء إثيوبيا عبر التدخل غير المباشر.


ويبدو الهدف واضحًا: إبقاء إثيوبيا مقيدة استراتيجيًا، ومنشغلة بأزماتها الداخلية، ومعزولة دبلوماسيًا. وتقف إثيوبيا في مواجهة هذا الضغط متعدد المسارات، لكنها ردت بضبط النفس استراتيجيًا والممارسة الحازمة لحقها في الدفاع عن نفسها، وحماية سلامة أراضيها، وتأمين ممر التجارة الحيوي مع جيبوتي، ورفض المحاولات الخارجية لإعادة صياغة موازين القوى داخل البلاد.


ولا يعني ضبط النفس في مواجهة الضغط المتواصل السلبية، بل يمثل خيارًا منضبطًا لدولة تدرك تكاليف التصعيد غير المنضبط، لكنها ترفض في الوقت نفسه قبول تقويض سيادتها. وسيخدم المنطقة بصورة أفضل إجراء تقييم دقيق لهذه المصالح والتحركات، بدلًا من الاكتفاء بصيغ خطابية لا يدعمها السجل القائم على الأدلة.

 

https://hornreview.org/2026/10/02/egypts-denial-of-intervention-in-ethiopia-does-not-survive-scrutiny/